مولي محمد صالح المازندراني
152
شرح أصول الكافي
وحقايقها وله عرض عريض وله أول عالم الإنسان وآخر عالم الملائكة بل فوقه وهو معراج الإنسان وأعلى عليين له كما أنَّ الثلاثة الأول أسفل السافلين له وأعظم أسباب معراجه قطع التعلق عن الدُّنيا والاعراض عنها بالكلية ، ثمَّ الدوام على هذه الحالة فإنَّه يوجب الوصول إلى حالة شريفة هي مرتبة عين اليقين وله في تلك المرتبة قدرة على أفعال غريبة ( 1 ) وآثار عجيبة بإذن الله تبارك وتعالى كمصافحة الملائكة والمشي على الماء والهواء وغيرها ومنه يعلم أنَّ الكرامات غير منكرة من الأولياء كما زعمه بعض العلماء نعم هي مستبعدة والاستبعاد لا يقتضي نفيها . وتنقل القلب أعنى الروح عبارة عن انتقاله من المرتبة الأعلى إلى المرتبة الأدنى وقد ينتقل إلى أدنى جميع المراتب
--> ( 1 ) قوله : « وله في تلك المرتبة قدرة على أفعال غريبة » أورد المجلسي ( رحمه الله ) كلام الشارح من قوله ينبغي أن يعلم إلى قوله بعض العلماء في مرآة العقول وذلك لنفاسته واشتماله على أصول شريفة هي غاية خلق الإنسان ومنتهى المقاصد في ارسال الأنبياء وانزال الكتب ولعمرى ان كتاب الإيمان والكفر أنفس ما في الكافي الشريف لأنه الغرض الأقصى وهذا الحديث من أعلاق النفائس يبين به سر السعادة وإن مقامات السائرين إلى الله ومنازلهم غير متناهية وتفاضل الناس بالحصول على تلك المراتب وكلها أعلى وأشرف من العدالة الشرعية التي هي مرتبة واحدة وتلك المقامات غير متناهية لا يمكن احصاؤها ولو أراد أحد تقسيم الناس بحسب الأحكام الدنيوية قسمهم أولا إلى قسمين مسلم وكافر ، والمسلم إلى أهل الولاية والمخالف ، وأهل الولاية إلى العادل والفاسق ولكن إذا أراد تقسيمهم بحسب أحكام الآخرة فلا يجوز الاكتفاء بذلك بل يجب أن ينظر إلى حالات النفوس في الحقيقة والواقع والعمدة فيه أنَّ الإنسان امَّا أن يكون مادياً قائلا بأن الموجود منحصر في هذه المحسوسات وليس وراء المحسوس شيء وامَّا أن يكون مؤمناً بالغيب والآخرة يقيناً أو بحسب الاحتمال وهذا أول الاعتناء بما وراء المحسوسات فالمادي منغمر في الدُّنيا بعيد عن الله تعالى ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدُّنيا وهم عن الآخرة غافلون ) وهؤلاء أخس أفراد الإنسان وأمَّا الذين يؤمنون بالغيب فيرجى الخير منهم فمنهم كافر ومنهم مؤمن والكفار منهم مشركون ومنهم موحدون ويرجى من كل منهم الإيمان وامَّا المنغمر في الدُّنيا ( وسواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) . والمؤمنون على درجات شتى غير متناهية على حسب تقديرهم للغيب الذي آمنوا به فكل من كان اعتناؤه بالغيب أشد واعراضه عن الدُّنيا أبلغ وأكثر كان مقامه أعلى وأشرف وإلى الله تعالى أقرب . والسلوك إلى الله تعالى عبارة عن أعمال يوجب تنزيه القلب عن الشهوات والأوهام والرذائل الخلقية بالتدريج شيئاً بعد شيء ورذيلة بعد رذيلة حتَّى يصل إلى مقام يليق به فإن رفض حبِّ الدُّنيا وتمحض في عالم الغيب بحيث لو انكشف الغطاء ما ازداد يقيناً أو قارب ذلك المقام ناسب أن يصافح الملائكة ويمشى على الماء ويظهر منه الكرامات واما مراتب العدالة في الفقه فكل منها في عرض الأخرى ممكن الحصول لجميع الناس بالسهولة فيتجنب المحرمات والشبهات ويأتي بالنوافل بقدر ما يمكن ولكثير من مدعى التصوف تمحلات في توجيه رغبتهم في الدُّنيا وتكالبهم عليها يعلم منها كذبهم وعدم معرفتهم بمقصد الدين الشريف في السلوك والهادي هو الله . وأهمَّ ما يدل عليه هذا الحديث أنَّ السلوك إلى الله ومراتبه حق مطلوب في الشرع وليس كما يظن أهل الظاهر وقد مرَّ في المجلد ( 9 ) ما يؤيد كلام الشارح هنا .